أحمد زكي صفوت

493

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

اليتامى ظلما ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، ولا تعتدوا إن اللّه لا يحبّ المعتدين ، فكلّ خير يدنى إلى الجنة ويباعد عن النار أمركم به ، وكلّ شرّ يدنى إلى النّار ويباعد عن الجنة نهاكم عنه . فلمّا استكمل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مدّته من الدنيا ، توفّاه اللّه ، وهو مشكور سعيه ، مرضىّ عمله ، مغفور له ذنبه ، شريف عند اللّه نزله ، فيا لها مصيبة خصّت الأقربين ، وعمّت المسلمين ، ما أصيبوا قبلها بمثلها ، ولن يعاينوا بعدها أختها ، فلما مضى لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده ، فو اللّه ما كان يلقى في روعى ، ولا يخطر على بالى أن العرب تعدل هذا الأمر بعد محمد عن أهل بيته ، ولا أنهم منحّوه عنى من بعده ، فما راعني إلا انثيال الناس على أبى بكر ، وإجفالهم « 1 » إليه ليبايعوه ، فأمسكت يدي ، ورأيت أنى أحقّ بمقام محمد في الناس ممن تولّى الأمر من بعده ، فلبثت بذاك ما شاء اللّه حتى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين اللّه ، وملة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما ، يكون المصاب بهما علىّ أعظم من فوات ولاية أموركم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السّراب ، وكما يتقشّع السحاب ، فمشيت عند ذلك إلى أبى بكر فبايعته ، ونهضت معه في تلك الأحداث حتى زاغ الباطل وزهق ، وكانت كلمة اللّه هي العليا ، ولو كره الكافرون . فتولّى أبو بكر رضى اللّه عنه تلك الأمور ، فيسّر ، وسدّد ، وقارب ، واقتصد ، وصحبته مناصحا ، وأطعته فيما أطاع اللّه فيه جاهدا ، وما طمعت أن لو حدث به حادث ، وأنا حىّ ، أن يردّ إلىّ الأمر الذي نازعته فيه طمع مستيقن ، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه ، ولولا خاصّة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنه لا يدفعها عنى .

--> ( 1 ) الانثيال : الانصباب ، والإجفال : الإسراع .